الجاحظ
89
البيان والتبيين ( ط مكتبة الهلال )
هشام بن حسان وغيره ، قال : قيل للحسن : يا أبا سعيد ، إن قوما زعموا أنك تذم ابن عباس . قالوا : فبكى حتى اخضلت لحيته ، ثم قال : إن ابن عباس كان من الإسلام بمكان ، إن ابن عباس كان من القرآن بمكان ، وكان واللّه له لسان سئول ، وقلب عقول ، وكان واللّه مثجا يسيل غربا . قالوا : وقال علي بن عبد اللّه بن عباس : من لم يجد مس الجهل في عقله ، وذل المعصية في قلبه ، ولم يستبن موضع الخلة في لسانه ، عند كلال حده عن حد خصمه ، فليس ممن ينزع عن ريبة ، ولا يرغب عن حال معجزة ، ولا يكترث لفصل ما بين حجة وشبهة . قالوا : وذكر محمد بن علي بن عبد اللّه بن عباس ، بلاغة بعض أهله فقال : إني لأكره أن يكون مقدار لسانه فاضلا على مقدار علمه ، كما أكره أن يكون مقدار علمه فاضلا على مقدار عقله . وهذا كلام شريف نافع ، فاحفظوا لفظه وتدبروا معناه ، ثم اعلموا أن المعنى الحقير الفاسد ، والدني الساقط ، يعشش في القلب ثم يبيض ثم يفرخ ، فإذا ضرب بجرانه ومكن لعروقه ، استفحل الفساد وبزل ، وتمكن الجهل وقرح « 1 » ، فعند ذلك يقوى داؤه ، ويمتنع دواؤه ، لأن اللفظ الهجين الردي ، والمستكره الغبي ، أعلق باللسان ، وآلف للسمع ، وأشد التحاما بالقلب من اللفظ النبيه الشريف ، والمعنى الرفيع الكريم . ولو جالست الجهال والنوكى ، والسخفاء والحمقى ، شهرا فقط ، لم تنق من أوضار كلامهم ، وخبال معانيهم ، بمجالسة أهل البيان والعقل دهرا ، لأن الفساد أسرع إلى الناس ، وأشد التحاما بالطبائع . والإنسان بالتعلم والتكلف ، وبطول الاختلاف إلى العلماء ، ومدارسة كتب الحكماء ، يجود لفظه ويحسن أدبه ، وهو لا يحتاج في الجهل إلى أكثر من ترك التعلم ، وفي فساد البيان إلى أكثر من ترك التخير .
--> ( 1 ) بزل : بلغ سن البزول ، وهو التاسعة . قرح : بلغ سن القروح والقارح من ذي الحافر بمنزلة البازل من الإبل .